الرجالة مماتوش فى الحرب لأ .. أول قصة قصيرة

لم أدرى ما سر هذا الذى يُدعى الحب فى هذين الشخصين ... او فلأقل هذه الروح التى انقسمت عليهما فصرت حتى لا أفرقُ طياتُ وجهيهما وتفاصيلهم ..
جاءت التجاعيد لتأخذ منحنى منكسر تحت عينيهما ، جبينهما و يديهما بالإضافة إلى أجسامهم الصغيرة التى صاحبها قصر قامتهما سوياً .. هذه الجيبة السوداء وهذه الجاكيتة الرمادية و هذا الشراب الاسود الشفاف الذى أخفى تحته قدماً لفتاة توحى فى لحظة عابرة بعمر مرَ عليها حتى وصلت لهذه القدم النحيلة الخجولة المترددة فى خطاها .. وهذا الحذاء الذي كان مثيلا لحذاء رفيقها و هذا الحجاب الأسود اللون ذو البطانة الرمادية التى لم تستطع اخفاء شعيرات مِثل لونها أسفلها ... بالإضافة إلى حقيبة صغيرة أنتيكة سوداء لا تضع فيها شيئاً .. هذا كان بالنسبة لما ترتديه ...
أما بالنسبة له .. فقد كان مثيلاً لها فى ألوانه .. هذا البنطال الأسود وهذه الجاكيتة الرمادية وهذا الحذاء الذى اشتراه بصحبتها له ولها وهذه القبعة التى أخفى بها شعره لخجله من لونه .. و أخيراً هذه العصا التى يتكيء بإحدى يديه عليها واليد الأخرى يتكيء فيها مع قلبه وعقله وروحه علي التى تسير بجانبه ..
لوحة فنية باهرة ما ازاد لفت انتباهى فيها هذا الإتكاء الجميل الذى قوى كل منهما فى وجه هذا الطريق الواقعى ... وهذا الخاتم الذى كلّل يديهما ليعلن زواجاً مرَ عليه أعوام وأعوام ..و عمرٌ طويل لم يندما فيها أبداً على اختيارهم ...
ربما ما اختلف بينهما ظهور شاربه الرمادى اللون والذي قد لا تلاحظه لتوافق لونه مع لون شعيرات رأسها التى ظهرت عن غير عمد تحت حجابها هذا فتجدُ تعويضاً اللون وان كان فى مكان آخر ...
وأيضاً لون الخاتم فعندها ذهبى جميل مِثل لون شبابهما معاً وعنده فضى قاتم مِثل لون شيخوختهما معاً ...
- هات ايدك بقى يا جدو
هكذا قالتها فتاة صغيرة يقارب عمرها العشر سنوات له و تشبه فى رقتها تلك السيدة وفى شبابها هذه الفتاة التى أحسبها والدتها والتي هى أنا ببساطة..
قالتها الفتاة الصغيرة على مضض فكم من مرة خَرجت معهم وكانا على هذه الصلة والربط .. دوماً .. اتكاء لا ينفصل وروح لا تبتعد ...
كانت تستبدل الطلب كل مرة .. ففى حين تنادى جدتها و في حين تنادى جدها ... لم يخطر فى بالها أبداً أن تطلب منهما سوياً ...
ضحكت أنا وقلت : يا حور متحاوليش هما كده من و أنا فى سنك ناقصهم دايما شجرة لمون وكرسيين .. قال انا اللى فاكرة جوزى هيكون زى ابويا بس مفيش زي ابويا ابداا صدق اللى قال الرجالة ماتوا فى الحرب
تأففت حور فهى تُحب جدها وجدتها وتريد أن تمشى معهم وردت على والدتها : أنا لما ابقى تيتا مش هزعل احفادى منى .. قالتها وهى تنظر عليهم بنظرة حزن
لم يلتفت أى من هذين العجوزين لأى مما قيل مما زاد الطفلة انزاعجاً
- دول حتى مش سامعنى يا مااااماااا
انتفض الجد والجدة سوياً فى مشهد لو صُور لكان أتم تعبير عن الحب ... وقالا معاً بصوت رخيم هادىء : مالك يا حور ؟
رَدت عليهما : محدش فيكم سامعنى ولا عايز يمسك ايدى
رد الجد عليها : ما انا قولتلك امسكى فى العصاية ومش هعورك
يا جدووو بطل غلاسة عليا بقى
تكلمت الجدة هذه المرة : يا بنتى منقدرش نسيب بعض ده هو عكاز روحى اللى بتسند عليه بكرة لما تكبرى وتبقى تيتا مش هتعبرى حفيدتك خااالص
- ماشي يا تيتا اما نشوف

أعتذر بشدة عن قطع هذا المشهد او انهاءه فلا يهم ما حدث سوى أنه بعد مرور ما يقارب الأربعون عاماً ... حدث ما حدث وتكرر ما لم أظن أبداً تكراره بعد كِبر سني .. كبرت أنا أربعون عاماً وكَبُرت حور ومات والديّ سوياً ...
كنتُ أنا هذه المرة مشاركةً فى حدث لا أحسب أن هناك من شارك فيه مثلى ...
كانت فتاتى الصغيرة التى لم تكن تبلغ العشر سنوات من عُمر طويل .. جِدة واقفة أمامى كوالدتى وزوجها كوالدى .. نفس اللوحة تتكرر والمشهد وأنا أستعجب لمَ لم يأتِ القدَر عندى مثلهما ... وجاء فقط ليأخذ زوجى وينطلق ؟
لا أستطيع الوصف .. ربما كل ما أستطيع قوله هو اقرأوا البداية مرة أخرى لتعرفوا الوصف
هذه المرة كانت الحفيدة تطلب نفس ما طلبته ابنتى
- هات ايدك بقى يا جدو
ولكم أن تتوقعوا أن هذه الجِدة التى قالت أنها لن تترك أحفادها يُكلموا أنفسهم .. فَعلت عكس ما قالت ونسيت حفيدتها تماماً وأنا واقفة أبتسم و أبتسم .. فلقد فعلت ما قالته والدتى وعاشت كوالدتى ....
تعالى يا حبيبة سِتك أنا همسكك وسيبك من تيتا حور

- تيتا حور .. رفعت صوتى قليلاً لتسمعنى
فارتجفا معاً نفس الرجفة وأنا لمْ أملك الا الابتسام مجدداً وأن أمسك بيد حفيدتهما و أقول : الرجالة مماتوش فى الحرب لأ  

تعليقات

إرسال تعليق

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

عودة فاشلة بعد زمن ...

أترى عودة أم ذهاب بلا عودة ؟

وبديهيا أن غيابهم بلا مبرر ستقابله عودة بلا تمسك ..